الشيخ محمد الصادقي الطهراني
229
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
قاعدة السعي - ان دلت على الاختصاص - بما سوى من مواردها ، مع العلم أن البطال القادر على السعي ليس له من بيت المال شيءٌ ، اللهم إلّا ميراثاً من قريب . والربا خطر على كل الحقول الاقتصادية هدماً لبناء الموازنة العادلة بين المساعي والأموال ، واختلاق معادي في جعل الشطر الإنساني الموحَّد شطرين متناحرين متنافرين ، فهنا غني هارع قارع ، وبجنبه فقير مدقع ضارع . وهنا عرض عريض لشُحِّ الربا وقذارتها ودنسها بأثَرِيتها وفرديتها النحِسة النجسة ، بعد عرضٍ لعطاء الصدقة وسماحتها وطهارتها وزكاتها في تعاونها وتكافلها . ولم يبلغ الإسلام من تفظيع أمر الجاهلية ما بلغه من تفظيع أمر الربا ، ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغه من التهديد في أمر الربا ، وقد وردت أحاديث متواترة تغليظاً في حرمتها . « 1 » لقد كانت للربا في الجاهلية الأولى مفازعها بمفاسدها وشرورها ، إلّا أن الجوانب الأشنع قبحاً من وجهها الكالح القبيح ما كانت بادية مثل ما بدت في الجاهلية المتحضِّرة ، ولا كانت البثور والدمامل مكشوفة في الجاهلية الأولى كما كُشِفت في الجاهلية الثانية . فقد يدرك الذين يريدون التدبر في حكمة اللَّه في شرعته وكمال منهجه ودقة نظامه ، يدركون اليوم ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص زمن الوحي القرآني ، وأمامهم اليوم من واقع العالم المرير الشرير ما يصدق كل كلمة كلمة من التهديدة الكاملة ضد الربا تصديقاً حياً باشراً معاشراً خلفيَّتها النكدة ، فحكم الربا - بحكمة منعها وأذان الحرب من اللَّه ورسوله فيها - إنها من الملاحم القرآنية . فالبشرية الضالة المضللة التي تأكل الربا وتُؤكلها تنصبُّ عليها البلايا الساحقة والرزايا الماحقة من جراء النظام الربوي في أخلاقها وصحتها ودينها وكل اقتصادها ، فتتلقَّى - حقاً - حرباً من اللَّه ورسوله : « فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللَّه ورسوله . . » ! . لقد شاعت اليوم الإشتراكية والشيوعية وحلَّقت على شطر عظيم من البشرية ، كما شاعت الرأسمالية ، وهما وليدان غير شرعيين لأكل المال بالباطل ، الذي يمثله - كأكثر تمثيل - الربا الطاغية الداعرة الدائرة البائرة ، المبيدة بين المجتمعات والأفراد .
--> ( 1 ) . الدر المنثور 1 : 364 - أخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عبداللَّه بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله قال : الربا ثلاثة وسبعون باياً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم